السبت، 6 يونيو 2009

هنيئاً لكم اوباما

لم يستطع- او لم يحاول- الاعلام العربي رسمياَ كان اوالممول رسمياً اخفاء تفاؤله الكبير بانتخاب السناتورالديمقراطي باراك اوباما كرئيس للولايات المتحدة الامريكية , وابداء مشاعر الارتياح بالتغيير المنتظر في السياسة الامريكية وخصوصاً في منطقة الشرق الاوسط والتبشير بتعاطي امريكي جديد مع القضايا العربية استنادا ًالى شخصية وخلفية السيد الجديد للبيت الابيض التي قد تكون السبب الرئيسي في هذا التفاؤل.

فباراك اوباما يعد من ألمع السياسيين الأميركيين على الإطلاق واكثرهم شعبية و يتمتع بجاذبية قوية، وبقدرةعالية على التأثيرالجماهيري، وبخطاب جديد يبشر ببناء أميركا جديدة متحدة تتخطى الفوارق العرقية وتحقق نوع من الوحدة السياسية .وقدم نفسه كمثال للأميركي الجديد المتعدد الأعراق والخلفيات والمنفتح على الجميع فهو مولود من أب كيني وأم أميركية في آب1961,وعاش مع أمه وزوجها في إندونيسيا، ثم عاد إلى أميركا لكي يتربى في منزل جديه لأمه.و قاده تفوقه الرياضي والدراسي الى الحصول على تعليم جامعي راقي في أكبر الجامعات الأميركية، ليعود بعد ذلك لخدمة المجتمع المحلي والأفارقة الأميركيين والأحياء الفقيرة بمدينة شيكاغو. وليتحول الى معقد آمال الكثير في التغيير المنشود.

ولكن مشكلة تلك التمنيات والآمال،وخصوصاً من جانب العرب,والتي تعلّق على تغييرات مفترضة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، أنها غالبا ما تنطلق من رؤية تسطيحية للامور ومتعجلة وتشبثية ومتكلة على الآخر بطريقة غير لائقة.

فحداثة عهد اوباما بالسلطة تجعل من غير المناسب الاسراف في الاعتماد على افكار وطروحات قد تكون قيلت تحت ضغط سير العملية الانتخابية.والمقلق هنا أن أوباما لم يواجه بعد ما يكفي من المواجهات ومن الضغوط التي تمارسها جماعات المصالح واللوبي والخصوم وأن «عقدة الدونية» الموجودة في شخصية أوباما باعتباره من الأقليات وخلفيته الاسلامية ستجعله يبالغ في محاولة إثبات الوجود أمام اللوبي الإسرائيلي بالولايات المتحدة بشكل كبير.والوقوع دائماً تحت سياط التشكيك والتلويح والاتهام بمحاباة العرب والمسلمين .مما قد يدفعه لاتخاذ مواقف لاتصب في المصلحة الوطنية لبلدان المنطقة. ففي الشهور الأخيرة طغت على السطح اتهامات لأوباما بأنه تلقى تعليمه الاولي في مدارس إسلامية متشددة بإندونيسيا، كما تعرض لضغوط ضخمة من مناصري إسرائيل بعد أن صرح بأن "لا أحد يعاني أكثر من الفلسطينيين".وقد نشرت مقالات تعطي انطباعا بأن أوباما يشعر بالذنب لأنه لا يساند القضية الفلسطينية بشكل كاف، وبأنه يهادن إيران ويتساهل معها . في المقابل يمكن أن يجد المتابع في خطاب أوباما على مستوى السياسة الخارجية، نوعا من التشدد وخصوصاً في مسألة القدس والدفاع عن اسرائيل.

ومن اهم الأسباب أيضا التي تدعو الى التروي أن أوباما يتعاطى مع واقع سياسي معين تتحكم فيه سياسات أميركية ديناميكية راسخة ونخب حاكمة تقليدية ومسيطرة. وهذا يعني أنه وليد زمان وظروف أميركية ودولية معينة قد لا يستطيع بسهولة التخلص من تبعاتها الظاهرة والكامنة،.يضاف إلى ذلك أن آليات السلطة وتبادل الادوار وانتقاله من صفوف المعارضة الى قمة الهرم التنفيذي قد تدفع أوباما الحديث العهد بالسياسة وضغوطها بعيدا عن مواقفه السابقة.

فمن المعروف إن السياسة التي تسير عليها الادارة، محكومة بصفة الثبات في القضايا التي تمس المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية، والتي يمكن تلخيصها بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط بوجود اولوية قصوى للحفاظ على المصالح النفطية، من المنابع إلى الخطوط الناقلة إلى أماكن التصفية و التكرير والتسويق.ويليه في الاهمية الحفاظ على أمن إسرائيل واستقرارها وتفوقها الاستراتيجي في المنطقة ومن ثم الحفاظ على الهيمنة الأميركية في المنطقة، بوجه أية قوة دولية أو إقليمية منافسة. واخيراً دعم الأنظمة الصديقة والمعتدلة.

وبعد حدث 11 سبتمبر (2001)، في الولايات المتحدة، أضيف لهذه الثوابت التاريخية المعروفة بندين أساسيين: أولهما، مكافحة الإرهاب والقوى المتطرفة. ثانيا، وضع حد لطموحات إيران تعزيز نفوذها الإقليمي، وخصوصا الحؤول دون تملكها للسلاح النووي .على ضوء ذلك لم يكن من المفيد انتظار تغيرات جوهرية في السياسة الأميركية تجاه منطقة الشرق الاوسط عموماً والتفاؤل بشكل مبالغ فيه بشأن امكان حدوث تغيير ما في الاستراتيجية الأميركية في هذه المنطقة والتسرع والتبسيط في التعويل على تغيير جذري في سياسة الولايات المتحدة الأميركية وهذا ما ينبغي أن ينتبه إليه جيدا صانعوا القرارات والمحللون في المنطقة قبل تبادل التهاني بفوز اوباما .

وان كان , وللانصاف, ما يستحق التهاني ,بل وحتى الزغاريد, هوالتخلص من الكابوس الذي اقض مضاجع الانظمة العربية طوال فترة حكم الرئيس جورج بوش وكانت فكرة توريثه الى ماكين تثير القشعريرة في اصلب الحكام واكثرهم رسوخاً في الحكم. فاوباما لا يبدو عليه انه مهتم بتغيير الانظمة العربية بالقوة او محاولة نشر الديمقراطية والعياذ بالله. فأن الابتعاد المتقادم للانظمة عن الشرعية رسخ في اذهان الحكام بأن ضمانة استمرارهم الوحيدة في السلطة هو رضا القوى العظمى عنهم ولا دخل لعلاقتهم بشعوبهم ولا الى لون بشرة الرئيس في الموضوع.

أخيرا بقي لنا أن نؤكد أن الحكم على أوباما ما زال مبكرا، إذ ما زال هناك متسع من الوقت والمصادر لبناء حكم أدق وأشمل عن أوباما ومواقفه ولا ننسى ان جورج بوش كان المرشح المفضل للعرب في الانتخابات في الانتخابات السابقة وأن أوباما الرئيس قد لا يعكس بالضرورة صورة أوباما المحامي المدافع عن حقوق الأقليات والمستضعفين بأحياء شيكاغو.

الجمعة، 5 يونيو 2009

هل وصلنا الى عصر الراسمالية الافتراضية


يعيش العالم في ظل التأزم المالي والاقتصادي الكارثي الذي اصاب الماكنة الاقتصادية الامريكية تحت هاجس السؤال اليومي عن صورة مستقبل الرأسمالية بعد تدهور نشوة الانتصارالمدوي للاسلوب المغرق بالليبرالية‏ الذي فرض كلمته على الاسواق منذ تبخر النمط الاشتراكي ولحد الآن,‏ وخصوصاً بعد ان استيقظ الأمريكيون على حقيقة انهم اكبر بلاد الارض مديونية ‏,‏ يعيش فيها الجميع علي الاقتراض ‏..‏ وما يزيد من قلق الامريكيين فشل الخطط الترقيعية السابقة حتى في محاولة تصحيح التفاوت الطبقي والانحراف المتزايد في توزيع الدخل في الولايات المتحدة والذي كان السبب الرئيسي في كارثة القروض السكنية واضطرارالحكومة الفيدرالية ان تضخ‏700‏ مليار دولار معظمها يأتي من دافعي الضرائب الى اسواق المال والعقار والتأمينات‏,‏ تشتري بها ديونا سيئة تراكمت في هذه المؤسسات‏,‏ اضافة الي مستحقات ديونها السابقة .

هذه الازمة تطرح علينا بالضرورة حتمية الوعي باننا نعيش في ظل هيمنة رأسمالية متوحشة منفلتة من عقالها وغير منضبطة , والخلل الاساسي الذي يحول دون تصحيح إخفاقات السوق هو العقيدة الفاسدة السائدة في عقلية المتحكمين في صميم مفاصل و آليات الاقتصاد ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق وما اعتمد كنهاية احتفالية للتاريخ ، إذ تم التحول من عقلية المصارف التجارية المشكلة على أساس مخاطر الائتمان فقط إلى عقلية مصارف الاستثمار المشكلة على أساس مخاطر بيع وشراء المديونية. واصبحت الآليات المفصلية هي آلية الاقراض أو الاستدانة . وتم التحول من الاقراض للإنتاج وتحسينه والانفاق المعتمد على تطوير وسائل وتقنيات العمل إلى الاقراض للاقراض فقط أو لمزيد من الاقراض. ولعبت تقلبات وصعود وهبوط الاوراق المالية وأسعارالفائدة والصرف دورا بالغ الفاعلية والتأثيرفي الهستيريا المالية التي اصابت اسواق المال في مختلف دول العالم.

وبرزت المضاربة ليست بوصفها نشاطا ثانوياً لرأس المال يتحرك بهدف تنويع مصادر الدخل كما كانت بواكير المضاربة، وإنما كنشاط اساسي لكبار الشركات بهدف الكسب والمزيد من الكسب لرأس المال. ومن ثم فإن رأس المال هذا الذي يتوسع افقياً وعمودياً يتولى إعادة تدوير الفائض الذي ينتجه المنتجون المباشرون وإعادة توزيعه بين مختلف قطاعات رأس المال لاطلاق قوانين سوق تعمل بصورة مشوهة عن ذي قبل تدعمها خطوات بل قفزات متقدمة وغير عادية في قطاع المعلومات والاتصالات ساعدت في جعل الأسواق المالية تأخذ صفة الكونية وصارت نطاقاً واحداً بعيداً تماماً عن أي رقابة وطنية. ولقد نمت هذه السوق خلال القرن الماضي حتى صارت المدفوعات الدولية المتعلقة بالمعاملات المالية تتفوق بارقامها على تلك المدفوعات الدولية المتعلقة بالمعاملات التجارية. ولقد صارت سوقا دوليا تتداول نوعا جديدا من رأس المال هو رأسمال بالغ القوة والعنف والذكاء شعاره الأساسي أن الديون محرك للنمو الاقتصادي. . ومعنى ذلك في الحقيقة أن حركة رؤوس الأموال لم تعد مرتبطة عضويا بحركة السلع والخدمات. وصارت تشكل دورتها المستقلة، بل تشكل اقتصادها الافتراضي المستقل. لقد أصبح النظام المصرفي الدولي الجديد هو ملتقى كل المشروعات المالية الضخمة. هو النظام الوحيد القادر على استيعاب وإعادة تدوير الفوائض النفطية وإطلاق عملية إقراض الدول النامية. ونجح بذلك في تحويل السيولة الدولية والتمويل الدولي للبلدان النامية إلى عملية خاصة غير خاضعة للرقابة الحكومية. وبنشأة هذا النظام بدأت معالم الاقتصاد الافتراضي او الاسمي في الظهور، فبدأت في الظهور تلك الرأسمالية غير المرتبطة بالإنتاج، أي تلك الرأسمالية ذات الطبيعة الطفيلية. فقد بدأ في التكوين رأسمال اسمي يتمثل في الأوراق المالية لا في الإنتاج، ويجني الريع لا الربح. ويعني الاقتصاد الافتراضي حركة رؤوس الأموال بما في ذلك تقلبات أسعار الفائدة وتدفقات الائتمان، بينما يعني الاقتصاد الحقيقي حركة السلع والخدمات.. ومع تركيز رأس المال وتزايد نشاط المصارف وتقديمها الائتمان الكبير لكبار الرأسماليين أمكن لقلة قليلة العدد من الاحتكاريين أن تُخضع لإشرافها مجموع العمليات التجارية والصناعية في المجتمع، ومع التراجع المضطرد في دور المنظمات الرسمية الدولية، فإن النظام النقدي الدولي أصبح نظاما خاصا يتولاه رأس المال الخاص المتعدد الجنسيات.

إن البلدان الرأسمالية المتقدمة تقوم الآن بإعادة النظر في أساليب إدارة وتنظيم الاقتصاد الرأسمالي على المستويين الدولي والمحلي وهدفها تصحيح أسلوب عمل قوانين الاقتصاد الرأسمالي لغرض اكتساب قدرة على التعايش مع التناقضات وتطويعها والتحكم فيها.وقد تنجح في ذلك وبوقت قياسي. ولكن ينبغي الإشارة إلى ما يمكن تسميته بحدود امكانيات المعالجة والتصويب للازمات، حيث إن قدرة البلدان الصناعية المتقدمة على التكيف مع الأوضاع الاقتصادية الجديدة في العالم، والتغلب على العديد من الآثار السلبية لعمل قوانين الاقتصاد الرأسمالي لا تعني بالضرورة قدرتها على التخلص إلى ما لا نهاية من الأزمات الاقتصادية الممتدة والتي قد تنفجر في كل حين.

الأربعاء، 3 يونيو 2009

الماركسية الامريكية


بشكل يكاد يكون روتينيا ويوميا يتم تعريض المتلقي العربي الى كم هائل من الاخبار والتنظيرات حول ازمة الائتمان التي بدات بتصدع مؤسسات الرهن العقاري ثم تدحرجت مثل كرة الثلج الى قطاعي التامين والمصارف والتي لم تعد ازمة اسواق مال او انخفاض او ارتفاع اسعار الاسهم بل انها ازمة اميركية بامتياز قد تقود الى اغلاق الاف الشركات والغاء ملايين الوظائف في الولايات المتحدة ، كما ان هذه الازمة كان من المتوقع حدوثها -وان كانت المفاجأة في مستوى حدتها- بسبب التوسع الكبير في حجم ونوعية المخاطر و غياب الضوابط التي تحكم سلوك المؤسسات المالية الكبرى‏,‏ كما ان جشع رؤساء تلك الشركات والمؤسسات العاملة في وول ستريت دفعهم للتوسع في عمليات شديدة المخاطرة سعيا وراء الارباح والمزيد من الارباح لتكون النتيجة هو تكدس الثروة بصورة فادحة بين الأغنياء بينما تسحق الطبقة الوسطى والفقيرة نتيجة تراكم الديون لتؤدي لاحقاً الى هزات مالية تحولت الى طوفان عالمي لا يعني الولايات المتحدة الامريكية وحدها بل امتدت موجات مده لتغمر العالم المنكوب بالاسراف الامريكي في الليبرالية الاقتصادية .

ولكن الثيمة او المصطلح الذي جذب اكثر الاهتمام المصحوب بالدهشة هو مصطلح التأميم.فاليوم تتدخل حكومة الولايات المتحدة الامريكية,قائدة العالم الحر,وحاملة لواء الراسمالية بشعارها المعروف "دعه يعمل دعه يمر",بصورة مغايرة لكل أسسها الديموقراطية والليبرالية والمالية لإنقاذ المؤسسات التي كانت لها اليد الطولى في الأزمة بسبب فسادها وأعمالها الخاطئة ,من خلال قرار ضخ مئات المليارات من الدولارات في القطاع المالي، ومن ثم قامت حكومة الولايات المتحدة باتخاذ قراراً ذو طابع ثوري يقضي بشراء الدولة حصصاً كبيرة من الأسهم في مؤسسات القطاعين المصرفي والمالي,مما اثار جملة من التساؤلات حول دور الدولة في الانظمة الرأسمالية ومدى صلاحية الاجهزة الحكومية بالتدخل في أزماتها. وقد اثار هذا التدخل او بالاصح اسلوب التدخل موجة عارمة من البحث عن مصطلح يصف هذه الإجراءات المالية الأميركية والأوروبية الأخيرة,وقد ذهب الكثير من المراقبين على أنها من قبيل التأميم، بل ذهب البعض من المحللين إلى اعتبارها إجراءات تنحو منحىً اشتراكياً. خصوصاً أن ضخ الأموال لم يكن كافياً لوقف التدهور وبعدما تسربت الأزمة إلى القطاعات الإنتاجية. وهذا ما يفسرالثورية المنسوبة إلى الإجراء الأخير.

والذي ساهم في انكار هذا السلوك هو ان الولايات المتحدة الامريكية تعتبر من أكثر الدول الداعية لعدم تدخل الانظمة الحكومية في الأسواق المال الدولية وفي النشاطات الاقتصادية وتقديس العمل تحت شعارات السوق الحر أو السوق المفتوح . ومن المعروف والثابت كثرة الانتقاد الصادر من حكومة الولايات المتحدة واجهزتها الرقابية للانظمة الاخرى التي تتصرف خارج هذا الاطار والتي تتبع نهجاً مغايراً له استناداً الى إيمانها العميق بالنظام الرأسمالي الحر ونبذها للاشتراكية وسيطرة الدولة على الاقتصاد.و لكن جسامة الازمة وتداعياتها المدمرة على الساحة العالمية جعل هناك نوع من الاجماع ان كل هذه الاحداث كانت نتيجة لفقدان السيطرة الرقابية للانظمة الحكومية على مؤسسات العولمة الاقتصادية الدولية، التي فتحت الآفاق للرأسماليين الجشعين لتكديس الارباح بارقام فلكية مقابل حملة افقار منظمة لشرائح واسعة من افراد الشعب الامريكي والقائهم في متاهات الاستقراض المستمر،ولكن أن تسلك الولايات المتحدة الامريكية, ولو جزئياً، مذهب التأميم فالموضوع يصبح خارج السياق النظري والعلمي لكل من يؤمن بمبدأ الحماية المطلقة للرأسمالية، وخصوصاً عندما يأتي هذا المسلك من الدولة العظمى ذات الاقتصاد الأكبر والأشمل والمؤثر في كل الدول والأسواق العالمية و باسم حماية اقتصادها الداخلي من الانهيار،وهذا ما اثار نوع من الشماتة الدولية بالولايات المتحدة وبالنظام الذي افرزوه وتولوا قيادته عالمياً لعقود طويلة.ومادفع بعض المتشبهين بالاشتراكية الى اخراج اعلامهم الحمراء من خزائنهم العتيقة وازالة ما علق بها من غبار السنين وكيها وتهيأتها لتعليقها على اعلى سواري ناطحات السحاب في مانهاتن.

ولكن المتابع للاحداث مهما كانت خلفيته السياسية ومرجعيته الفكرية ومهما اجهد خياله واطلق له العنان فلن يستطيع ايجاد اي احمرار فيما تقوم به الدول الغربية الراسمالية من اجراءات, وان ما يجري هو استعارة الدولة لدور الراسمالي لفترة وجيزة لحين انتعاش الاسواق من جديد ليعود كل ليغني بعدها على من يشاء,وان هذه العملية ليست بالابتكار او الاختراع الجديد ,بل انه اسلوب تمارسه الدول الراسمالية بصورة شبه دورية عند كل ازمة او عارض يصيب الاقتصاد الحر,مع التأكيد هنا على ان حجم هذا التصدع واتساعه ساعد على جعل بعض الاجراءات تأخذ الطابع الدولي في تأسيس ثقافة كابحة لهيمنة كبار المتمولين ومدراء الشركات على كيانات اقتصادية بحجم دول مع ما يعني ذلك من تأثيرات سلبية لطغيان المصالح الفردية والخاصة بغض النظر عن أي اعتبارات أخلاقية. ولكن من النفاق وصف موضوع تدخل الدولة وفي تصويرعملية شراء الاسهم على أنه إجراء اشتراكي يأتي لمصلحة الفئات الفقيرة والمتوسطة من المجتمع , فالاشتراكية باي شكل من اشكالها وفي اية خانة نضعها، هي نظرية اقتصادية اجتماعية سياسية تطرح نفسها بقوة كحل نهائي لمشاكل البشر وعلى أنها نظام متكامل يسعى إلى تحقيق ملكية المجتمع لوسائل الإنتاج، لغرض إزالة الفوارق الطبقية بين افراد المجتمع . وهو بالتالي نظام لا يمكن تحجيمه لا بالتأميمات ولا بما يسمى تدخل الدولة في الاقتصاد. مع التاكيد على ان الاجراءات او ما اصطلح عليه بالتأميمات الجزئية والتي نحن بصددها لا علاقة لها بقريب أو بعيد بتخفيف الفوارق الطبقية بين البشر، بل أنها تساهم في تعميق تلك الفوارق من حيث اشراك الفقراء في تحمل خسائر الاثرياء . على أن ما يمكن نسبته إلى الفكر الاشتراكي في هذه الأزمة هوالتوجه الاعلامي المركز على التذكير بأن الاشتراكية، بتراثها الماركسي خصوصاً، لا تزال النظرية التي تعد الأكثر فهماً والاعمق في تحليل الفكر الرأسمالي ونقده والاكثر قدرة على فهم مغاليق الازمات الدورية للراسمالية وتبديد الانتقادات المستمرة والمنظمة لنظام الاقتصاد الموجه والتي قد بلغت حد المجون في سنوات العولمة مابعد الليبرالية. وان ماركس هو الذي اكتشف أن الرأسمالية سوف تتخطى بصورة حتمية النطاق الوطني لتتوسع على المستوى العالمي باكمله. وان الرأسمالية المالية ستدخل طور العولمة الثالث بعد طوري العولمة التجارية والعولمة الصناعية،والتي تحدث عنها ماركس وحللها بإسهاب,وانه هو الذي تنبأ من أن الرأسمالية عندما تبلغ ذروة صعودها سيولد من داخلها ما يناقضها لنشهد دورة انحدارها ونهايتها. ولكن الاستعانة بالاشتراكية كانت في اذهان وسائل الاعلام فقط او على الاقل التعامل مع المفردة لزيادة التنكيل اللفظي للراسمالية كنوع من ارضاء الحنق العام ضد الولايات المتحدة.

ان الذي تقوم به الدول الراسمالية هو العمل على اعادة تشكيل العولمة عن طريق مواكبة المتغيرات لغرض تصحيح المسارات التي قد تضل بها السبل نتيجة الاهتزازات المالية التي تطرأ على النظام بين الحين والحين, فنحن في الواقع بصدد رأسمالية راسخة لا تتعرض للركود المطلق بسهولة وإن تعرضت بالطبيعة لدورة الركود النسبي. فهي بفضل التدويل واسع النطاق للحياة الاقتصادية والتعاون والتنسيق العالي والسريع بين الانظمة الاقتصادية الكبرى على حافتي الاطلسي ,والاجراءات الفورية التي اتبعت في كل بلد على حدة قد استطاعت في الواقع ان تكون أقدر على التكيف مع الأوضاع الجديدة ومحاولة الصمود امام العاصفة وتنظيف الاقتصاد من المؤسسات الهالكة عن طريق الدمج او شراء الاسهم كمرحلة تكتيكية ، الأمر الذي يتيح لها الاحتفاظ على مواقعها الاستراتيجية، بل يمنحها قدرة على استعادة ما فقدته على المدى المتوسط بطرائق مستحدثة.وللراسمالية مرونة في اختيار اساليب الانقاذ ,لانها لم تدخل مرحلة تأليه الافكار واضفاء القدسية على الموروث الفكري والفلسفي ,فليس من التجديف او الكفر ان تستعير او تراجع الافكارالماركسية لغرض استنباط الحلول واستخلاص النتائج خصوصاً بعد تلاشي الحاجز النفسي تجاه الاشتراكية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه وتحول ادبياته الى دراسات فكرية اكثر منها منشورات سرية ,فاصبح من حق بل من واجب الانظمة الاقتصادية الكبرى الاستفادة منها لتفكيك الازمة واعادة توجيهها نحو التأسيس لمرحلة جديدة يبدو من الحتمية ان يلج فيها العالم, وهنا ايضا ًتطل علينا نبوءة كارل ماركس: إمَّا أن يتعاون العالم كله على التأسيس لنظام اقتصادي ـ اجتماعي جديد يتخطى الرأسمالية وإمَّا أن تتقهقر البشرية إلى عهود الوحشية. ولكن المؤلم ان الفاتورة الاولية لهكذا نظام كلفت المواطن الأمريكي بواقع 2500 دولار للفرد تقريباً. دفعها لحل أزمة لم يكن هو طرفاً فيها بل الفساد المالي وجشع الشركات وضعف الرقابة الحكومية في المقام الأول.

الرئيس الامريكي المثالي

من البديهيات المسلم بها لدى اي مشتغل في المجال السياسي .بل حتى لاي قاريء متقطع للجرائد اليومية ، أنَّ السياسية الأمريكية,داخلها وخارجها, لا تتبدل بصورة جذرية مع كل عملية انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة،وان الرئيس الجديد لا يقوم باصدار بيان رقم واحد حال توليه الرئاسة ولا باعلان الاحكام العرفية ولا يقوم باستباق مؤامرات الرئيس السابق المحتملة برميه في السجن او وضعه تحت الاقامة الجبرية حتى يتوفاه الله بحادث عرضي مؤسف.

والتغيير ان وجد فهو يقتصر على اسلوب او تقنية التعاطي مع تلك الحالة ام تلك ،او في ترتيب بعض الاولويات,او تقديم حلولاً اوافكاراً جديدة لجزئيات قد تستجد على مواقف الولايات المتحدة, ولكن الثوابت الأمريكية تظل راسخة ومحكومة بأجهزة تنفيذية عديدة في مقدمتها الكونجرس الأمريكي بمجلسيه،وبكم هائل من الآليات والاجراءات التي تحول دون انفراد الرئيس في اتخاذ القرارات,وحين نفهم مؤسسة الرئاسة الامريكية على هذا الاساس ، نستطيع أن نتوقع مديات واساليب التغيير ، ولكن الغير قابل للاستيعاب هوالتذبذب الشديد في ردود الفعل في منطقتنا على فوز أوباما بالرئاسة الأميركية،والمبالغة الغير مسبوقة في وضع البيض العربي في سلة اوباما ومن ثم الفتور وخيبة الامل الاسرع, قبل ان يهضم وجبة الغداء الاولى له في البيت الابيض,مما اثار تساؤلات مشروعة من قبل المواطن العربي عن ماهية المطالب الرسمية العربية من الولايات المتحدة ,بل عن صورة الرئيس الامريكي المثالي بالنسبة للعرب الرسميون.

المراقب للاحداث يعرف ان اهم مطالب الحكام العرب الذي تتضاءل دونه بقية المطالب هوعدم الكلام اوالاشارة اوالتلميح حتى, الى الديمقراطية او تغيير الانظمة منتهية الصلاحية بالقوة لا من بعيد ولا من ابعد, واعتبار مصائروثروات ورقاب الشعوب شأناً داخلياً صرفاً من غير اللائق الخوض فيه او بطريقة ادارة الامور او التوريث وتقسيم المناصب على شكل اعطيات للاقربون فالاقربون بالمعروف, وغض النظر عن الممارسات القمعية للانظمة والاعتقالات العشوائية واعتبارها امور روتينية او اجتهاد خاطيء على اسوأ الاحتمالات,واعتماد وجهة النظر الرسمية باعتبار المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي مفسدين في الارض ومفرقين للامة وهي جميع,ويفضل كبادرة حسن نية الامتناع عن الاستماع لمن فر منهم بجلده وتجنب اللقاء بهم ,ولمنع الالتباس يستحسن وضعهم في صناديق وشحنهم الى بلدهم الام للتحقيق معهم بكل مودة وشفافية.و كنوع من فض المجالس يستحب الاعتراض اللفظي بين الحين والحين على بعض الامور الهامشية وغير الاساسية لدى الخلفاء الجدد مثل الاستيطان اوالاحتلالات او حقوق الانسان لاضفاء بعض الصفات الانقلابية والثورية للرئيس المؤمل والموعود ليكون رئيساً ظريفا ًقريبا ًالى القلب.

ان الغياب الطويل لآليات الانتقال التداولي الديمقراطي للسلطة،والافتقار للقدرة على تسويق شرعية مفقودة لدى معظم الأنظمة العربية , جعلها خاضعة لهاجس الحاجة الى الاسراف في التبعية للقوة العظمى قصد ضمان استمرارها بالسلطة كهدف مركزي ومواجهة قلاقلها وتململ شعوبها عن طريق الاستقواء بالدعم الخارجي على شعوبها. لذا نراها تـقدم سقفاً مفتوحاً معلناً من التنازلات لضمان هذا الهدف, وهذا ما تدركه الولايات المتحدة الامريكية بصورة تامة, لذا فلا يوجد ما يدفع الرئيس مهما كانت لون بشرته او ديانة والده للاصطفاف مع مطالب قد يكون من المخجل للولايات المتحدة تبنيها او اظهار التفهم لها خصوصاً مع التخلي الطوعي من قبل الانظمة العربية عن كل اوراق الضغط اللازمة لاحداث اي رغبة من قبل امريكا في مجرد التفكير في تغيير اسلوب التعاطي مع القضايا المزمنة في الشرق الأوسط.