من البديهيات المسلم بها لدى اي مشتغل في المجال السياسي .بل حتى لاي قاريء متقطع للجرائد اليومية ، أنَّ السياسية الأمريكية,داخلها وخارجها, لا تتبدل بصورة جذرية مع كل عملية انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة،وان الرئيس الجديد لا يقوم باصدار بيان رقم واحد حال توليه الرئاسة ولا باعلان الاحكام العرفية ولا يقوم باستباق مؤامرات الرئيس السابق المحتملة برميه في السجن او وضعه تحت الاقامة الجبرية حتى يتوفاه الله بحادث عرضي مؤسف.
والتغيير ان وجد فهو يقتصر على اسلوب او تقنية التعاطي مع تلك الحالة ام تلك ،او في ترتيب بعض الاولويات,او تقديم حلولاً اوافكاراً جديدة لجزئيات قد تستجد على مواقف الولايات المتحدة, ولكن الثوابت الأمريكية تظل راسخة ومحكومة بأجهزة تنفيذية عديدة في مقدمتها الكونجرس الأمريكي بمجلسيه،وبكم هائل من الآليات والاجراءات التي تحول دون انفراد الرئيس في اتخاذ القرارات,وحين نفهم مؤسسة الرئاسة الامريكية على هذا الاساس ، نستطيع أن نتوقع مديات واساليب التغيير ، ولكن الغير قابل للاستيعاب هوالتذبذب الشديد في ردود الفعل في منطقتنا على فوز أوباما بالرئاسة الأميركية،والمبالغة الغير مسبوقة في وضع البيض العربي في سلة اوباما ومن ثم الفتور وخيبة الامل الاسرع, قبل ان يهضم وجبة الغداء الاولى له في البيت الابيض,مما اثار تساؤلات مشروعة من قبل المواطن العربي عن ماهية المطالب الرسمية العربية من الولايات المتحدة ,بل عن صورة الرئيس الامريكي المثالي بالنسبة للعرب الرسميون.
المراقب للاحداث يعرف ان اهم مطالب الحكام العرب الذي تتضاءل دونه بقية المطالب هوعدم الكلام اوالاشارة اوالتلميح حتى, الى الديمقراطية او تغيير الانظمة منتهية الصلاحية بالقوة لا من بعيد ولا من ابعد, واعتبار مصائروثروات ورقاب الشعوب شأناً داخلياً صرفاً من غير اللائق الخوض فيه او بطريقة ادارة الامور او التوريث وتقسيم المناصب على شكل اعطيات للاقربون فالاقربون بالمعروف, وغض النظر عن الممارسات القمعية للانظمة والاعتقالات العشوائية واعتبارها امور روتينية او اجتهاد خاطيء على اسوأ الاحتمالات,واعتماد وجهة النظر الرسمية باعتبار المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي مفسدين في الارض ومفرقين للامة وهي جميع,ويفضل كبادرة حسن نية الامتناع عن الاستماع لمن فر منهم بجلده وتجنب اللقاء بهم ,ولمنع الالتباس يستحسن وضعهم في صناديق وشحنهم الى بلدهم الام للتحقيق معهم بكل مودة وشفافية.و كنوع من فض المجالس يستحب الاعتراض اللفظي بين الحين والحين على بعض الامور الهامشية وغير الاساسية لدى الخلفاء الجدد مثل الاستيطان اوالاحتلالات او حقوق الانسان لاضفاء بعض الصفات الانقلابية والثورية للرئيس المؤمل والموعود ليكون رئيساً ظريفا ًقريبا ًالى القلب.
ان الغياب الطويل لآليات الانتقال التداولي الديمقراطي للسلطة،والافتقار للقدرة على تسويق شرعية مفقودة لدى معظم الأنظمة العربية , جعلها خاضعة لهاجس الحاجة الى الاسراف في التبعية للقوة العظمى قصد ضمان استمرارها بالسلطة كهدف مركزي ومواجهة قلاقلها وتململ شعوبها عن طريق الاستقواء بالدعم الخارجي على شعوبها. لذا نراها تـقدم سقفاً مفتوحاً معلناً من التنازلات لضمان هذا الهدف, وهذا ما تدركه الولايات المتحدة الامريكية بصورة تامة, لذا فلا يوجد ما يدفع الرئيس مهما كانت لون بشرته او ديانة والده للاصطفاف مع مطالب قد يكون من المخجل للولايات المتحدة تبنيها او اظهار التفهم لها خصوصاً مع التخلي الطوعي من قبل الانظمة العربية عن كل اوراق الضغط اللازمة لاحداث اي رغبة من قبل امريكا في مجرد التفكير في تغيير اسلوب التعاطي مع القضايا المزمنة في الشرق الأوسط.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق